ابن خلكان
418
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
من القضاة والفقهاء والقواد ، وقدر بتوجههم إليه أنّه يرجع إلى ما هو ألزم به وأوجب عليه ، فأقام على سبيل واحد في البغي والعناد والعصيان ، ولم يثنه الإرشاد ، ولم يزل استحواذ الشيطان عليه يقوده إلى الحين ويصده عن سبيل النجاة إلى مهاوي الهلكة ، فلما تبين أمير المؤمنين ذلك منه رأى أن يقضي عليه في أمر مثله ، فنهض متوكلا على اللّه تعالى معتمدا على كفايته لدفع الملعون عما يحاوله ، وهو يغذّ السير إلى المصرع الذي سبق به قضاء اللّه تعالى فيه ، حتى توسط الطريق بين مدينة السلام وواسط ، وأظهر أعلاما على بعضها الصلبان ، واستنجد أهل الشرك على أهل الإيمان ، وبارز اللّه بسريرته ليسلمه بجريرته ، وفارق شرائع الإسلام وأحكامه ، نقضا للعهود ونكثا وخفرا للذمة وإعلانا للمشاقة ، فقدم أمير المؤمنين أخاه الموفق باللّه أحمد ولي عهد المسلمين ومعه جماعة من موالي أمير المؤمنين الذين أخلصوا للّه طاعتهم وثبت في المحاماة عن دولته بصائرهم ، وأتبعهم أمير المؤمنين الرغبة إلى اللّه تعالى في تأييدهم ونصرهم على عدوهم ، ولعنه أمير المؤمنين في الأوقات والمواقف التي علم اللّه صدق نيته فيها ، وألحقه وبالها ، ووقف أمير المؤمنين يتأمل ما يكون من أخيه ومواليه وأوليائه ، ويواصل الإمداد والجيوش إليهم ، وكان الموفق باللّه في قلب العسكر ، وظهر الملعون عدو اللّه في أشياع ضلالته قد ادرع العصيان ، وتسربل البغي واعتمد على وفور حشده وكثرة أتباعه ، فلما تراءى الجمعان شهر عدو اللّه وأشياع ضلالته السلاح ، وأسرعوا إلى موالي أمير المؤمنين وأوليائه ، وشرعت في الملعون وضلاله سيوف الحق باترة ورماحه طاعنة وسهامه نافذة ، حتى أثخن الملعون بالجراح ، ورأى أتباع ضلالته ما حل به ، فبادروا بالويل والثبور ، وأكب عليهم موالي أمير المؤمنين وأوليائه ، يقتلون فيهم ويأسرون منهم ، وعجل اللّه إلى النار من جماعته من لا يحصى عدده ، ولم يزل الأمر كذلك حتى انتزع أبو عبد اللّه محمد بن طاهر مولى أمير المؤمنين سالما من أيديهم ، وحسروا عن مستقرهم ، فولّى الباقون منهزمين مفلولين ، لا يلوون على شيء ، وأسلم اللّه تعالى الملعون ، وهم وما كانوا حووه وملكوه في سالف الأيام التي أملى اللّه تعالى لهم فيها أقطار الأرض من الأموال والأمتعة والأثاث والإبل